محمد بن علي الشوكاني

3489

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الأحاديث بأجوبة ، منها أن فيها المقال المتقدم ، وقد أجيب عنهم في ذلك . واستيفاء الكلام في ذلك يحتاج إلى تطويل ؛ لأنه راجع إلى علل حديثية وقواعد أصولية ، وربما تشعب البحث إلى أطراف أخر يشغل ذهن السائل فنقول : قد تقرر في الأصول كما ذهب إليه الأقل . وقصة سالم المذكورة مخصصة لعموم الأحاديث المعارضة لها ، وبذلك يحصل الجمع بين جميع الأحاديث ( 1 ) ، وهذه طريقة متوسطة لا إفراط فيها ولا تفريط . وقد عرف من حديث سالم أن سبب الرخصة هو المشقة والحاجة كما في حديث سالم ( 2 ) . ويؤيد هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة ( 3 ) كان بعد نزول آية الحجاب ، وهي

--> ( 1 ) وهو أن حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ، ولا عام في حق كل أحد ، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة ، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه ، وأما من عداه ، فلا يؤثر إلا رضاع الصغير ، وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة ، فتقيد بحديث سهلة ، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذا الحال من عمومها ، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه ، أقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين ، وقواعد الشرع تشهد له . انظر : " مجموع الفتاوى " لابن تيمية ( 34 / 31 - 35 ) ، " زاد المعاد " ( 5 / 527 ) . ( 2 ) تقدم ذكر ذلك . انظر : " فتح الباري " ( 9 / 149 ) . ( 3 ) قد اختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك : 1 - أنه منسوخ . وهذا مسلك كثير منهم ، ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى ، فإنهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث . ولو قلت : أصحاب هذا القول عليهم الدعوى وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة ، لكانت نظير دعواهم . وأما قولهم : إنها كانت من أول الهجرة ، وحين نزول قوله تعالى : { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ } [ الأحزاب : 5 ] . ورواية ابن عباس رضي الله عنه ، وأبي هريرة بعد ذلك ، فجوابه من وجوه : أ - أنهما لم يصرحا بسماعه من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بل لم يسمع منه ابن عباس إلا دون العشرين حديثا ، وسائرها عن الصحابة رضي الله عنهم . ب - أن نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تحتج واحدة منهن ، بل ولا غيرهن على عائشة رضي الله عنها بذلك ، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم ، وعدم إلحاق غيره به . ج - أن عائشة رضي الله عنها نفسها روت هذا وهذا ، فلو كان حديث سهلة منسوخا ، لكانت عائشة رضي الله عنها قد أخذت به ، وتركت الناسخ ، أو خفي عليها تقدمه مع كونها هي الراوية له ، وكلاهما ممتنع في غاية البعد . د - أن عائشة رضي الله عنها ابتليت بالمسألة ، وكانت تعمل بها وتناظر عليها ، وتدعو إليها صواحباتها ، فلها بها مزيد اعتناء ، فكيف يكون هذا حكما منسوخا قد بطل كونه من الدين جملة ، ويخفى عليها ذلك ، ويخفى على نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تذكره لها واحدة منهن . 2 - أنه مخصوص بسالم دون من عداه . وقد تقدم ذكر ذلك . وقال القرطبي في " المفهم " ( 4 / 188 ) : وقد اعتضد الجمهور على الخصوصية بأمور ، منها : 1 - قاعدة الرضاع ، فإن الله تعالى قد قال : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } [ البقرة : 233 ] . فهذه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة ، المعتبر شرعا ، فما زاد عليه بمدة مؤثرة غير محتاج إليه عادة ، فلا يعتبر شرعا ؛ لأنه نادر ، والنادر لا يحكم له بحكم المعتاد . 2 - قاعدة تحريم الاطلاع على العورة ، فإنه لا يختلف في أن ثدي الحرة عورة ، وأنه لا يجوز الاطلاع عليه ، لا يقال : يمكن أن يرضع ولا يطلع ، لأنا نقول : نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع ، فلا يجوز . قال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 148 ) : " وأجاب عياضا عن الإشكال باحتمال أنها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ، قال النووي : وهو احتمال حسن ، لكنه لا يفيد ابن حزم لأنه لا يكتفي في الرضاع إلا بالتقام الثدي ، لكن أجاب النووي بأنه عفي عن ذلك للحاجة . وذلك أن الليث وأهل الظاهر قالوا أن الرضاعة المحرمة إنما تكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه . . . " . انظر : صحيح مسلم بشرح النووي ( 10 / 30 ) . 3 - ومنها أنه مخالف لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنما الرضاعة من المجاعة " - تقدم تخريجه - وهذا منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعيد قاعدة كلية ، تصرح بأن الرضاعة المعتبرة في التحريم إنما هو في الزمان الذي تغني فيه عن الطعام ، وذلك إنما يكون في الحولين وما قاربهما . وهو الأيام اليسيرة بعد الحولين عند مالك . وقد اضطرب أصحابه في تحديدها ، فالمكثر يقول : شهرا ، وكأن مالكا يشير إلى أنه لا يفطم الصبي دفعة واحدة . في يوم واحد ، بل في أيام وعلى تدريج ، فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حكمها حكم الحولين ، لقضاء العادة بمعاودة الرضاع فيها . وانظر " فتح الباري " ( 9 / 148 ) ، " زاد المعاد " ( 5 / 522 - 523 ) . 3 - المسلك الثالث : تقدم ذكه . وهو الجمع بين هذه الأحاديث . وانظر : " مجموع الفتاوى " لابن تيمية ( 34 / 31 - 35 ) ، " زاد المعاد " ( 5 / 527 ) ، " فتح الباري " ( 9 / 149 ) .